ابن عجيبة
558
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سبحانه - : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ . . . الآية ، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا ، قال بعضهم : إن الذين تكرهون منى ، هو الذي يشتهيه قلبي . والله تعالى أعلم . ثم حضّهم على التوبة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 110 ] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي : ذنبا قبيحا يسوء به غيره ، أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بذنب يختص به ، أو من يعمل سوءا بذنب غير الشرك ، أو يظلم نفسه بالشرك ، أو من يعمل سوءا بالكبيرة ، أو يظلم نفسه بالصغيرة ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ بالتوبة يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً لذنوبه رَحِيماً بقبول توبته ، وفيه حث لطعمة وقومه على التوبة والاستغفار . الإشارة : ومن يعمل سوءا بالميل إلى الهوى ، أو يظلم نفسه بالالتفات إلى السوي ، أو من يعمل سوءا بالهفوات والخطرات ، أو يظلم نفسه بالغفلات والفترات ، أو من يعمل سوءا بالوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات ، أو يظلم نفسه بالقناعة من الترقي في الدرجات والمقامات ، ثم يستغفر الله من حينه يجد الله غفورا رحيما ، حيث لم يخرجه من حضرته ، ولم يتركه مع غفلته . ثم عاتب رهط السارق على رميهم الغير بالسرقة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 111 إلى 112 ] وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 111 ) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 112 ) يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً كسرقة أو يمين فاجرة ، أو رمى غيره بجريمة ، فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ لا يتعدى ضررها إلى غيره ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بسرائر عباده حَكِيماً في إمهالهم وسترهم ، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أي : جريمة تتعدى إلى ضرر غيره ، أَوْ إِثْماً يختص بنفسه ، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً منه ، كما رمى طعمة زيدا اليهودىّ ، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وهو أن يبهت الرجل بما لم يفعل ، وَإِثْماً مُبِيناً أي : ذنبا ظاهرا ، لا يخفى قبحه وبشاعته . الإشارة : الإثم : ما حاك في الصدر وتلجلج فيه ، ولم ينشرح إليه الصدر ، وضده البر ؛ وهو ما ينشرح إليه الصدر ويطمئن إليه القلب ، فكل من فعل شيئا قد تلجلج قلبه منه ولم يقبله ؛ نقص من نوره ، وأظلم قلبه منه ، وإليه